صديق الحسيني القنوجي البخاري
5
فتح البيان في مقاصد القرآن
الأولى : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ دون غيره لا استقلالا ، ولا تبعا فهو المتصرف فيهما ، وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وتوابعه من البقاء وغيره . وَ الصفة الثانية : لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فيه رد على اليهود والنصارى . وَ الصفة الثالثة : لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فيه رد على طوائف المشركين من الثنوية والوثنية وعباد الأصنام ، وأهل الشرك الخفي . فأثبت له الملك بجميع وجوهه ، ثم نفي ما يقوم مقامه فيه ، ثم نبه على ما يدل عليه فقال : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ من الموجودات مما تطلق عليه صفة المخلوق ، وهي الصفة الرابعة : فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً أي قدر كل شيء مما خلق بحكمته ، على ما أراده وهيأه لما يصلح له ، وسواه تسوية لا اعوجاج فيه ، ولا زيادة على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولا نقصا عن ذلك في بابي الدنيا والدين . وقيل : أحدثه إحداثا مراعى فيه التقدير حسب إرادته ، كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة ، فقدره وهيأه لما أراد منه ، من الخصائص والأفعال أو فقدره للبقاء إلى أجل مسمى . قال قتادة : بيّن اللّه لكل شيء من خلقه صلاحه وجعل ذلك بقدر معلوم . قال الواحدي : قال المفسرون : قدر له تقديرا من الأجل والرزق فجرت المقادير على ما خلق ، وقيل أريد بالخلق هنا مجرد الإحداث والإيجاد مجازا من غير ملاحظة معنى التقدير ، وإن لم يخل عنه في نفس الأمر ، فيكون المعنى أوجد كل شيء فقدره ، لئلا يلزم التكرار هذا أوضح دليل على المعتزلة في خلق أفعال العباد ، ثم صرح سبحانه في تزييف مذاهب عبدة الأوثان فقال : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ الضمير للكفار ، أو المنذرين أو للمشركين ، وإن لم يتقدم لهم ذكر لدلالة العالمين ، ونفي الشريك ، والنذير عليهم أي اتخذ المشركون لأنفسهم متجاوزين اللّه آلِهَةً قال قتادة : هي الأوثان التي تعبد من دون اللّه لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً أي لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء وغلب العقلاء على غيرهم لأن في معبودات الكفار الملائكة وعزيرا والمسيح . وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي يخلقهم اللّه سبحانه قال قتادة : أي هو اللّه الخالق الرازق وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئا ولا تضر ولا تنفع ، وقيل عبر عن الآلهة بضمير العقلاء جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع ، وقيل المعنى عبدتهم يصورونهم وينحتونهم ، ثم لما وصف سبحانه نفسه الكريمة بالقدرة الباهرة وصف الآلهة المشركين بالعجز البالغ فقال : وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً أي لا يقدرون على أن يجلبوا لأنفسهم نفعا ولا يدفعوا عنها ضررا ، وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع ، وإذا كانوا